محمد بن محمد ابو شهبة

291

المدخل لدراسة القرآن الكريم

وفهمه على غير وجهه ، فالرواية الثانية تفسر الأولى ، وتدل على أن الإسقاط عن طريق النسيان لا العمد ، ولا يضر نسيان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ما دام يحصل له التذكر إما من نفسه ، أو من مذكر كما في الحديث ، وزيادة في التوضيح نقول النسيان من النبي لشيء من القرآن على قسمين : أحدهما : نسيان الشيء الذي يتذكره عن قرب ، وذلك قائم بالطباع البشرية ، وعليه يدل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنما أنا بشر أنسى كما تنسون » . والثاني : أن يرفعه عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته ، وهو المشار إليه بقوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ( 7 ) . أما الأول : فعارض سريع الزوال يدل عليه قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) ، فهذا تكفل من اللّه تبارك وتعالى أن يحفظ كتابه عن أي نقص أو زيادة ، أو تغيير أو تحريف ، وقد ثبت أن القرآن الكريم معجزة المعجزات ، فوجب التصديق بكل ما جاء فيه . وأما الثاني : فداخل في قوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها بضم النون وبغير همز ، فالنسيان عارض بشري يجوز على الأنبياء فيما ليس طريقه البلاغ من أمور الدين والشريعة ، وذلك كالأمور الدنيوية أما ما كان من الدين والشريعة ، مما هو واجب البلاغ فيجوز لكن بشرطين : أ - أن يكون بعد تبليغه كما هنا . ب - أن لا يستمر على نسيانه ، بل يحصل له تذكره إما بنفسه ، وإما بغيره ، وأما قبل التبليغ فلا يجوز أصلا ، وهذا ما قام عليه الدليل العقلي ؛ إذ لو جاز النسيان قبل التبليغ أو بعده بدون أن يتذكر ، أو يذكره الغير لأدى إلى الطعن في عصمة الأنبياء ، ولجاز ضياع بعض الشرائع والأديان ، وفي هذا تشكيك فيها وإبطال لها . 2 - إن ما استدل به من قوله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ( 7 ) فهو تحريف للكلم عن مواضعه ، وزعم من لم يعرف سبب نزول الآية ، ولا المراد من الاستثناء ، ولا الغرض الذي سيقت له الآية ، أما سببها فهو